السيد محمد تقي المدرسي
84
من هدى القرآن
في العلاقة مع النعم إن نظرة الإسلام للحياة الدنيا وزينتها هي : أن كثيراً من أشياء الحياة الدنيا تبدو أمام الإنسان مفيدة ، ولكنها عند الله غير مفيدة لما يعلم من مستقبلها ، فإن يشرب الإنسان الخمر ، ويجلس على مائدة القمار ، ويأكل من أموال اليتامى ، قد تبدو نافعةً للمتعة التي يعيشها ، ولكنها تحمل في طياتها عواقب سيئة جداً ، والعكس كذلك صحيح . إن من جملة سنن الله في هلاك الأقوام فتح أبواب الرحمة عليهم ، فإذا فتح أبواب الرحمة كلها على أمة فان ذلك تدبير لهلاكها ، وكذلك بالنسبة للإنسان ، فإذا رأيت النعم تنهال عليك من كل مكان فالزم الحذر ، وكن يقظاً ، لأنَّ هذه النعم قد تكون استدراجاً وإن الله يريد أن يجرّب إرادتك وقدرتك على المقاومة ، ويريد أن يعطيك رزقك مرة واحدة حتى لا يكون لك نصيب في الآخرة ، على الإنسان أن يكون معتدلًا وحكيماً في تصرفاته مع زينة الحياة الدينا ، ولا يبالغ فيها ولا يطالب ربه أن يعطيه كلها مرة واحدة . لذا إن علاقة الإنسان بنعم الحياة يجب أن تكون علاقة الشكر وليست الكفر ، وعلاقة الزكاة وليس الطغيان . إن علاقة الشكر هي : علاقة المحافظة على العوامل والأسباب التي أدّت إلى النعمة فإذا قمت بثورة ونجحت فيها ، ووصلت إلى السلطة ، ففكر في الذي دفعك إلى السلطة من العناصر البشرية والعوامل المعنوية ، وإذا عرفتهما فحافظ عليهما ، فإذا حافظت عليهما فأنت شاكر لنعم الله تعالى ، أما إذا لم تحافظ عليهما فأنت كافر . والذي لا يحافظ على الأسباب والعوامل التي أدّت إلى حصوله على النعمة تتركه النعمة وربما بلا رجعة ، أما علاقة الكفر فهي الإهمال لتلك العوامل . كذلك علاقة الزكاة ، فقد جاءت في القرآن بمعنى : الإنفاق وفي اللغة تأتي بمعنى : التطهير والنمو ، وذلك لأنَّ كل إنفاق وكل عطاء إنما هو بمعنى النمو فالإنسان لا تنمو عضلاته إلا عندما يستخدمها في العمل ، ولا ينمو عقله إلا عندما يستخدمه في التفكير ، ولا تنمو قدرات لسانه إلا عندما يستخدمه في النطق والكلام ، وهكذا فإن كل شيء في الحياة يزكو وينمو عن طريق العطاء والإنفاق ، والعكس صحيح ، فإذا ادخر الإنسان جهوده فسوف تكون هذه الجهود سبباً للطغيان ، والطغيان يكون سبباً للهلاك والانتهاء . هكذا يعطينا القرآن الحكيم - فيما يبدو - درساً في العلاقة مع زينة الحياة الدنيا ، وقد سبق وأن قلنا إن سورة الكهف دروس وعبر تصحح علاقتنا مع الحياة الدنيا وما فيها من زينة ، وأموال ، وأولاد . . الخ .